تعاون بحثي بين سدرة للطب و كينغز كوليدج يسلط الضوء على التنوع الجيني في دولة قطر

تعاون بحثي بين سدرة للطب و كينغز كوليدج يسلط الضوء على التنوع الجيني في دولة قطر

دراسة جديدة تُعدّ حتى الآن الخريطة الأكثر تفصيلاً للفروقات الجينومية واسعة النطاق لدى سكان دولة قطر

الدوحة، قطر – 20 يناير 2026 — أصدر مستشفى سدرة للطب في قطر، بالتعاون مع جامعة كينغز كوليدج لندن، أكثر الخرائط تفصيلاً حتى الآن للاختلافات الجينية واسعة النطاق لدى سكان دولة قطر. ويأتي هذا البحث، الذي تم تمويله من قِبل مجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار، ليقدّم دراسة دقيقة حول التنوع الجيني لدى العرب، و يستكشف العلاقة بين المتغيرات الجينية والصحة والمرض.

وقال البروفيسور خالد فخرو، رئيس قسم الأبحاث وكبير الباحثين في الدراسة البحثية في سدرة للطب: “على مدى العقد الماضي، أسهمت قواعد البيانات العالمية الضخمة للجينوم البشري في توسيع آفاق البحث العلمي، ومع ذلك لا يزال تمثيل الأشخاص من أصول عربية ضعيفاً بشكل ملحوظ ، ما يعني أن العديد من الاختلافات الجينية المهمة في هذه المجموعات السكانية لا تزال غير مفهومة بشكل كافٍ، وهو ما يخلق فجوات في الأبحاث العالمية وقد يؤثر على دقة الرعاية الصحية المستقبلية المعتمدة على الجينات لمجتمعاتنا.”

ركّزت معظم الدراسات السابقة حول الجينومات القطرية على التغيرات الصغيرة في تسلسل الحمض النووي، والتي تشمل حرفاً واحداً أو بضعة «حروف» من الشفرة الوراثية. وعلى الرغم من أهمية هذه التغيرات، فإنها لا تكشف سوى جزء محدود من الصورة الكاملة. وتمثّل الدراسة الجديدة1 المنشورة في مجلة Nature، أول تحليل شامل للتغيرات البنيوية، وهي تغيّرات واسعة النطاق في الحمض النووي تؤثر على مقاطع طويلة من المادة الوراثية قد تكون مفقودة أو مكرّرة أو معاد ترتيبها. ونظراً لحجمها الكبير، تؤثر هذه التغيرات البنيوية على جزء أكبر بكثير من الجينوم، ما يجعلها ذات أهمية كبيرة لصحة الإنسان.

ولدارسة هذه التغيرات الكبيرة في الحمض النووي، قام الباحثون بتحليل أكثر من 6,000 جينوم قطري، ما أتاح لهم تحديد مواقع هذه المتغيرات، ومدى شيوعها عبر المجموعات السكانية القطرية الخمس الرئيسية، وعلاقتها بالبيانات الصحية المستمدة من بنك قطر الحيوي، بما في ذلك مؤشرات الدم والتمثيل الغذائي. وكشفت التحليلات عن أكثر من  150,000 تغيير بنيوي ضمن مجتمع الدراسة، يؤثر أكثر من 12,000 منها في مناطق من الحمض النووي داخل الجينات المسؤولة عن حمل التعليمات اللازمة لإنتاج البروتينات. واللافت أن العديد من هذه الجينات يرتبط بعمليات بيولوجية متصلة بصحة

القلب والتمثيل الغذائي ومرض السكري، بما يتماشى مع الارتفاع الملحوظ في معدلات الأمراض الاستقلابية وأمراض القلب والأوعية الدموية لدى مجتمع الدراسة.

وقال الدكتور ماريو فالكي، أستاذ ومحاضر في الطب الحاسوبي بجامعة كينغز كوليدج لندن، والمؤلف المشارك الرئيسي للدراسة: “تُعدّ المتغيرات البنيوية ذات تأثير بالغ الأهمية على بيولوجيا الإنسان، إلا أنها لم تحظَ بالدراسة الكافية في علم الجينوم العالمي بسبب صعوبة رصدها. وقد أنشأنا من خلال هذه الدراسة الخريطة الأكثر تفصيلاً لهذه المتغيرات لدى السكان العرب، ما يمنحنا رؤية أوضح للتنوع الجيني في المنطقة ويمهّد الطريق أمام تطوير الطب الدقيق.”

وأشار الباحثون إلى أن ارتفاع معدلات زواج الأقارب في المنطقة أتاح فرصة فريدة لدراسة تأثير وراثة الحذف الجيني نفسه من كلا الوالدين، حيث جرى تحديد أكثر من 180 جينًا فقدت وظيفتها بالكامل، أو ما يُعرف بـ “تعطيل الجينات”، نتيجة عوامل وراثية من الأب والأم. كما أظهرت النتائج أن تعطّل بعض الجينات يؤدي إلى غياب البروتينات التي تنتجها عادة من مجرى الدم.

ومن الأمثلة البارزة جين CD36، إذ أظهر الأفراد الذين ورثوا الجين المحذوف نفسه من كلا الوالدين مستويات شبه معدومة من بروتين CD36 في الدم، إلى جانب تغيّرات واضحة في المؤشرات الصحية المرتبطة بالدم، ما يؤكد أن هذه الحذوفات الجينية نشطة وظيفياً ولها تأثير مباشر على إنتاج البروتين لدى حامليها. وفي المقابل، لم يُرصد فقدان النسختين معاً في بعض مناطق الجينوم، رغم شيوع الحذف ذاته بين أفراد المجتمع، ما يشير إلى أن الحفاظ على نسخة واحدة على الأقل من هذه المقاطع الجينية قد يكون ضروريًا لبقاء الإنسان.

تُبرز هذه النتائج أهمية دراسة المجتمعات التي ينتشر فيها زواج الأقارب لفهم كيفية تأثير العوامل الوراثية في صحة الإنسان بشكل أعمق، وهو أمر يصعب تحقيقه بدرجة أكبر في المجتمعات التي تكون فيها الروابط العائلية أكثر بُعدًا.

قال الأستاذ إلبي علييف، الباحث الرئيسي الأول في الدراسة: “تضيف هذه الدراسة بُعداً معرفياً كان مفقوداً سابقاً إلى أبحاث علم الوراثة على مستوى العالم. فمن خلال إعداد الخريطة الأكثر شمولًا حتى الآن للتغيرات البنيوية في أي مجتمع عربي، تسهم الدراسة في دعم الجهود العالمية الرامية إلى جعل الطب الدقيق أكثر شمولًا ودقة. كما توفّر هذه النتائج الأسس اللازمة لأبحاث مستقبلية حول الأمراض النادرة، والحالات الوراثية، والمخاطر الصحية الخاصة بالسكان، والتي لا يمكن الكشف عنها بالاعتماد فقط على التغيرات الصغيرة أحادية الحرف في الحمض النووي.”

واختتم البروفيسور فخرو مضيفاً: “لم نكتفِ بالكشف عن أكثر خريطة شمولية حتى اليوم للمتغيرات البنيوية في جينوم عربي، بل قمنا أيضاً بربطها ببيانات صحية واسعة من بنك قطر الحيوي. ويشكّل هذا العمل مورداً عالمياً فريداً للباحثين في مجال علم الجينات لدى الشعوب العربية، كما يؤكد أهمية دراسة المجتمعات ذات القرابة في تعميق فهمنا للجينوم البشري. ونتطلع إلى توسيع نطاق هذه الدراسات في المرحلة المقبلة لتشمل عشرات الآلاف من الجينومات القطرية، والمساهمة بفاعلية في الجهود العالمية لرسم الخرائط الجينية ودعم أبحاث الصحة السكانية.”

ساهم برنامج الجينوم القطري بدور ريادي في ضمان إدراج الجينومات العربية ضمن قواعد البيانات الجينومية العالمية، من خلال توفير بيانات صحية تفصيلية لأكثر من 40 ألف مواطن قطري، جُمعت عبر بنك قطر الحيوي، إلى جانب بيانات جينومية واسعة النطاق لمشاركي البرنامج.