سدرة للطب يطوّر أول أطلس جيني في الشرق الأوسط يكشف تأثير متغيرات الحمض النووي في تنظيم نشاط الجينوم
دراسة منشورة في مجلة “Nature Genetics” توفّر مرجعاً علمياً جديداً لفهم تعقيدات الجينوم وتعزيز الطب الدقيق لدى السكان من أصول عربية
الدوحة، قطر – 4 نوفمبر 2026: نجح باحثون في سدرة للطب، عضو مؤسسة قطر، في تطوير أول أطلس على مستوى السكان في منطقة الشرق الأوسط، يكشف كيفية تأثير الاختلافات في السلسلة الوراثية في تنظيم نشاط الجينات في الدم، ويربط هذه التأثيرات بالخصائص الصحية والسريرية للأفراد.
ونُشرت الدراسة في المجلة العلمية المرموقة “Nature Genetics”، بعنوان “دليل شامل للتنظيم الوراثي للتعبير الجيني في بنك حيوي لسكان الشرق الأوسط يتميز بارتفاع التقارب “. وتقدّم الدراسة مرجعاً علمياً جديداً يسهم في سد فجوة مهمة في الأبحاث الجينية العالمية، ويدعم تطوير الطب الدقيق من خلال تحسين دقة تشخيص الأمراض الوراثية والتنبؤ بمخاطر الإصابة بها، إلى جانب المساعدة في اكتشاف مؤشرات حيوية وأهداف علاجية جديدة.
رسم خريطة لتأثير الجينات في الصحة والمرض
على الرغم من التقدم الكبير الذي شهدته جهود تسلسل الجينوم حول العالم، لا تزال وظائف معظم المتغيرات الوراثية وتأثيراتها في صحة الإنسان والأمراض غير مفهومة بصورة كاملة. وتزداد هذه الفجوة المعرفية لدى السكان من أصول عربية وسكان منطقة الشرق الأوسط، في ظل محدودية الدراسات التي تتناول تنوعهم الجيني والتأثيرات البيولوجية الواسعة لارتفاع معدلات زواج الأقارب.

وقاد الدراسة البروفيسور يونس مكراب ، الباحث الرئيسي في المعلوماتية الجينومية والطبية الحيوية ومدير برنامج أبحاث علوم الأعصاب، بمشاركة الدكتور هارون نعيم، الباحث والمؤلف الأول للدراسة. واعتمد الفريق البحثي على بيانات نحو 2000 مشارك في قطر بيوبنك، من خلال الجمع بين بيانات التسلسل الكامل للجينوم، وتحليل التعبير الجيني في الدم، والمعلومات السريرية التفصيلية للمشاركين.
وتمكّن الباحثون من تتبّع تأثير الاختلافات في الحمض النووي (DNA) على تنظيم نشاط الجينات عبر الجينوم بأكمله، وفهم ارتباط هذه التغيرات بالصحة والأمراض. وباستخدام تقنيات حاسوبية متقدمة تتجاوز مجرد رصد الارتباطات الجينية التقليدية، كشف الفريق عن نحو 30 ألف تأثير سببي يسهم في تنظيم عملية نسخ المعلومات الوراثية، وربط هذه التأثيرات بعشرين سمة سريرية ومساراً بيولوجياً مرتبطاً بالأمراض، بما في ذلك المسارات المسؤولة عن وظائف رئيسية في الجهاز المناعي وعمليات الأيض.
وتعليقا على الدراسة، صرح البروفيسور يونس مكراب: “يمثّل الجينوم المخطط الوراثي لجسم الإنسان، بينما يكشف تحليل التعبير الجيني في الدم عن كيفية ترجمة هذا المخطط إلى نشاط بيولوجي فعلي. ومن خلال الاستفادة من بيانات مجموعة سكانية واسعة من المشاركين في قطر بيوبنك، استطعنا الربط بين المعلومات الجينية ونشاط الجينات والبيانات السريرية. وبالاعتماد على أدوات تحليلية متقدمة، تجاوزنا مرحلة تحديد الارتباطات الوراثية إلى الكشف عن التأثيرات السببية التي تتحكم في تنظيم نشاط الجينات وانعكاساتها الصحية على مستوى الجينوم بأكمله. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لسكان منطقة الشرق الأوسط، إذ لا يزال هناك الكثير مما ينبغي اكتشافه بشأن تنوعهم الجيني وأبعاده البيولوجية والسريرية”.
الكشف عن تأثير زواج الأقارب في تنظيم نشاط الجينات

سلّطت الدراسة الضوء أيضاً على أحد الجوانب البيولوجية التي لم تحظَ بالقدر الكافي من البحث سابقا، وهو تأثير زواج الأقارب في نشاط الجينات.
فمن المعروف أن زواج الأقارب يزيد احتمالية وراثة نسختين من المتغير الجيني نفسه، وهي ظاهرة ترتبط عادةً بزيادة احتمالات الإصابة ببعض الأمراض الوراثية النادرة. إلا أن نتائج الدراسة أظهرت أن وراثة نسختين من بعض المتغيرات الجينية المسؤولة عن تنظيم نشاط الجينات قد تؤدي أيضاً إلى ارتفاع أو انخفاض غير معتاد في نشاط جينات محددة. ويشير ذلك إلى أن التأثيرات البيولوجية لزواج الأقارب لا تقتصر على المتغيرات التي تؤثر مباشرة في تركيب البروتينات، بل تمتد إلى الآليات التي تتحكم في التعبير الجيني.
ومن جانبه، أفاد الدكتور هارون نعيم، الباحث في مختبر المعلوماتية الجينومية والطبية الحيوية والمؤلف الأول للدراسة: “أتاحت لنا دراسة مجموعة سكانية ترتفع فيها معدلات زواج الأقارب التوصل إلى رؤى علمية جديدة حول تأثير القرابة الوراثية في تنظيم نشاط الجينات. وقد كشفت النتائج أن هذه التأثيرات تتجاوز الدور المعروف لزواج الأقارب في الأمراض الوراثية المتنحية، لتشمل آليات بيولوجية أخرى لم تكن مفهومة بالقدر الكافي”.
تعزيز الطب الجينومي من التشخيص إلى الاكتشافات العلاجية
تمثّل الدراسة خطوة علمية مهمة نحو تحسين تفسير نتائج الفحوصات الجينية ورفع معدلات التشخيص الدقيق للأمراض الوراثية، من خلال توفير فهم أعمق لوظائف المتغيرات الجينية الموجودة في المناطق غير المشفّرة من الحمض النووي.

كما تتيح نتائجها تطوير نماذج أكثر دقة لتقييم مخاطر الإصابة بالأمراض المعقدة، تعتمد على مؤشرات المخاطر متعددة الجينات، مع مراعاة الأصول الوراثية للأفراد والوظائف البيولوجية للمتغيرات الجينية. ومن شأن ذلك أن يدعم تحسين تقييم المخاطر الصحية وزيادة فرص نجاح التجارب السريرية.
ومن خلال تحديد الجينات المستهدفة بالمتغيرات الوراثية المعروفة، تسهم الدراسة أيضاً في توجيه الأبحاث المستقبلية نحو أهداف جديدة للدراسات الوظيفية، والتحقق من المؤشرات الحيوية والأهداف العلاجية المرتبطة بالآليات البيولوجية للأمراض.
وقال البروفيسور خالد فخرو، رئيس الأبحاث في سدرة للطب: “يعتمد نجاح الطب الدقيق على توافر قواعد بيانات بحثية متكاملة تشمل مستويات متعددة من المعلومات البيولوجية، وتعكس الخصائص الوراثية للسكان الذين نسعى إلى خدمتهم. وتوفّر هذه الدراسة مرجعاً علمياً مهماً لدولة قطر ومنطقة الشرق الأوسط، وتضع أساساً قوياً لتطوير رعاية صحية أكثر تخصيصاً، تستجيب للاحتياجات الفردية للمرضى”.
قاعدة بيانات متقدمة تدعم الذكاء الاصطناعي والأبحاث المستقبلية
تبرز الدراسة أهمية التكامل بين الموارد الوطنية للبيانات الجينية والأبحاث التي تجمع مستويات متعددة من المعلومات البيولوجية، بما يسهم في تسريع الاكتشافات العلمية والطبية، خصوصاً لدى المجموعات السكانية التي لا تزال ممثلة بصورة محدودة في الأبحاث العالمية.
وقد أسفرت الدراسة عن إنشاء قاعدة بيانات بحثية غنية ومتعددة الأنماط، يعمل الباحثون على تطويرها من خلال إضافة مستويات جديدة من البيانات البيولوجية المستمدة من قطر بيوبنك ومجموعات المرضى المشاركين في الدراسات المتخصصة في سدرة للطب.
ومن المتوقع أن تشكّل هذه البيانات أساساً لتطوير نماذج متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي، بما يعزز القدرة على التنبؤ بالأمراض وتحديد الخيارات العلاجية المحتملة.
واختتم البروفيسور يونس مكراب قائلاً: “تكمن القيمة الحقيقية لهذا المورد البحثي في الفرص العلمية والطبية التي يتيحها، بدءاً من توفير أسس بيولوجية أكثر دقة لتشخيص الحالات الوراثية المعقدة، وصولاً إلى تطوير نماذج لتقييم المخاطر الصحية تراعي التنوع الجيني بين السكان، وتحديد الاكتشافات الواعدة التي تستحق المزيد من التحقق والتطوير العلاجي. ونتطلع في المرحلة المقبلة إلى تعزيز التكامل بين الموارد الوطنية، مثل قطر بيوبنك، ومجموعات المرضى المشاركين في الأبحاث بسدرة للطب، وإثرائها بمستويات متعددة من البيانات البيولوجية. وسيوفّر ذلك قاعدة قوية للاكتشافات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما يساعد على تحويل الخصائص الجينية الفريدة لسكان منطقتنا إلى معرفة طبية تسهم في تحسين صحة المرضى وجودة الرعاية المقدمة لهم”.
وحظيت الدراسة بدعم من سدرة للطب والصندوق القطري لرعاية البحث العلمي، واستفادت من البيانات والعينات البحثية التي وفّرها قطر بيوبنك وبرنامج قطر جينوم، الذي أصبح حالياً جزءاً من معهد قطر للصحة الدقيقة.
للاطلاع على الدراسة البحثية الكاملة المنشورة في مجلة Nature Genetics، يُرجى زيارة الرابط التالي: https://www.nature.com/articles/s41588-026-02785-7