سدرة للطب ومتاحف قطر يبحثان أدلة على وجود السنسنة المشقوقة في قطر منذ آلاف السنين

28 أكتوبر, 2026
الأخبار
سدرة للطب ومتاحف قطر يبحثان أدلة على وجود السنسنة المشقوقة في قطر منذ آلاف السنين

سدرة للطب ومتاحف قطر يبحثان أدلة على وجود السنسنة المشقوقة في قطر منذ آلاف السنين

الدوحة، قطر – 28 أكتوبر 2026: يقود سدرة للطب ومتاحف قطر مشروعاً بحثياً متعدد التخصصات، يجمع بين علم الآثار وتقنيات التصوير الطبي المتقدمة والأبحاث الجزيئية، بهدف دراسة حياة سكان قطر في عصور ما قبل التاريخ وأحوالهم الصحية. وقد كشف المشروع عن بقايا هياكل عظمية تحمل أدلة على الإصابة بالسنسنة المشقوقة، وهي حالة خلقية تؤثر في نمو العمود الفقري.

وفي إطار المشروع، أسفرت أعمال التنقيب الأثري في موقعي أم الماء والخرسعة بدولة قطر، بالتعاون مع مؤسسات بحثية دولية، عن اكتشاف بقايا عظمية تتيح للباحثين دراسة الخصائص البيولوجية والحالات الصحية وأنماط الحياة لدى المجتمعات التي استوطنت المنطقة قديماً.

ويسلّط هذا البحث الضوء على العلاقة بين التراث الأثري لدولة قطر والطب الحديث، إذ يتيح التعاون بين الجهات المشاركة فرصة لدراسة أدلة على وجود السنسنة المشقوقة في بقايا عظمية يعود تاريخها إلى آلاف السنين.

توظيف التقنيات الطبية الحديثة في دراسة الاكتشافات الأثرية

في إطار المشروع، نُقلت بقايا الهياكل العظمية المكتشفة إلى قسم الأشعة في سدرة للطب، لإخضاعها للفحص باستخدام التصوير المقطعي المحوسب (CT)، وإعادة بناء صور ثلاثية الأبعاد، إلى جانب إنتاج نماذج مجسّمة بتقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد.

وتتيح هذه التقنيات للباحثين فحص التراكيب الداخلية للبقايا العظمية الهشّة بدقة عالية، دون إلحاق أي ضرر بها أو تغيير خصائصها الأصلية. كما توفّر النماذج الرقمية ثلاثية الأبعاد معلومات قيّمة حول الخصائص التشريحية للعظام، وتساعد على دراسة التشوهات والاختلافات الخلقية بمزيد من التفصيل.

وتحظى عظام العجز، الواقعة عند قاعدة العمود الفقري، باهتمام خاص في هذه الدراسة، نظراً لقدرتها على مقاومة عوامل التحلل والتلف عبر الزمن، ما يجعلها من العظام التي غالباً ما تبقى محفوظة في المواقع الأثرية. وقد تمكّن الباحثون من رصد أدلة على وجود السنسنة المشقوقة خلال الفحص الأولي للبقايا العظمية، فيما ساعد التصوير المقطعي المتقدم على دراسة الخصائص التشريحية للحالة بدقة أكبر، وتحديد طبيعة النوع المكتشف بصورة أكثر تفصيلاً.

وقالت الدكتورة سارة تومي، الباحثة الرئيسية للمشروع البحثي في سدرة للطب: “يجسّد هذا المشروع الإمكانات العلمية الكبيرة التي يتيحها التعاون بين التخصصات المختلفة. فمن خلال الجمع بين علم الآثار وتقنيات التصوير الطبي المتقدمة والأبحاث الجزيئية، تتاح لنا فرصة الكشف عن معلومات جديدة حول حياة السكان الذين عاشوا في قطر قبل آلاف السنين”.

وأضافت: “تكمن الأهمية الخاصة لهذا التعاون في قدرته على مد جسور المعرفة بين الماضي والحاضر. فالتقنيات والخبرات العلمية التي نعتمد عليها اليوم في تقديم الرعاية الصحية الحديثة يمكن توظيفها أيضاً لفهم تاريخنا المشترك بصورة أعمق، بما يسهم في إثراء المعرفة الطبية والحفاظ على التراث الثقافي لدولة قطر”.

وباستخدام تقنيات متقدمة لمعالجة الصور الطبية، حوّل قسم الأشعة في سدرة للطب نتائج التصوير المقطعي إلى نماذج رقمية ثلاثية الأبعاد عالية الدقة، تتيح للباحثين تدوير العظام وتكبير صورها وإجراء القياسات اللازمة عبر الوسائط الرقمية. كما أنتج الفريق نسخاً مجسّمة باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، يمكن التعامل معها وتبادلها لأغراض البحث والتعليم، مع ضمان الحفاظ على البقايا الأصلية في ظروف آمنة.

وقال فلاديمير باهون، مشرف التصوير المقطعي المحوسب في سدرة للطب: “تمثّل كل قطعة من هذه العظام إرثاً أثرياً لا يمكن تعويضه، ولذلك كانت أولويتنا الحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات مع تقليل التعامل المباشر معها إلى الحد الأدنى. وقد أتاحت لنا تقنية التصوير المقطعي دراسة التراكيب الداخلية للعظام دون إلحاق أي ضرر بها، كما ساعدت الصور الباحثين على التمييز بين الخصائص التشريحية المرتبطة بالحالة المرضية والتغيرات التي طرأت على العظام نتيجة بقائها مدفونة تحت الأرض لآلاف السنين”.

وأضاف: “تشكّل الصور الرقمية مرجعاً علمياً طويل الأمد، يمكن للباحثين في سدرة للطب والمؤسسات الشريكة العودة إليه مستقبلاً لدراسة تساؤلات بحثية جديدة، دون الحاجة إلى إعادة التعامل مع العظام الأصلية. كما يمكن الاستفادة من النسخ المطبوعة ثلاثية الأبعاد في التعليم والمعارض العامة، بما يتيح للجمهور فرصة التعرّف عن قرب على جانب من تاريخ قطر في عصور ما قبل التاريخ، مع ضمان حماية البقايا الأثرية الأصلية والحفاظ عليها”.

ولا تقتصر خدمات التصوير الطبي التي يقدّمها سدرة للطب في إطار المشروع على البقايا البشرية، بل تشمل أيضاً عينات أثرية غير بشرية، بما يدعم الأهداف البحثية الأوسع للمشروع في دراسة البقايا البيولوجية والبيئات القديمة.

دراسة السنسنة المشقوقة عبر العصور والأجيال

السنسنة المشقوقة هي أحد عيوب الأنبوب العصبي الخِلقية، وتحدث عندما لا يكتمل نمو العمود الفقري والحبل الشوكي بصورة طبيعية خلال المراحل المبكرة من الحمل. وتختلف تأثيرات الحالة بحسب نوعها ودرجة شدتها، إذ قد تؤثر في القدرة على الحركة ووظائف المثانة والأمعاء وجوانب صحية أخرى، وقد تتطلب رعاية طبية متعددة التخصصات مدى الحياة.

ويضم سدرة للطب الفريق الوحيد في دولة قطر المتخصص في تقديم الرعاية متعددة التخصصات للأطفال المصابين بالسنسنة المشقوقة، حيث يوفّر خدمات طبية متكاملة تلبي احتياجات المرضى. كما يشارك الفريق بفاعلية في تطوير الأبحاث المتعلقة بالحالة، من خلال مبادرات تشمل إنشاء سجل وطني للمرضى، وبنك للعينات البيولوجية، وإجراء دراسات التحليل الجيني للأطفال المصابين وأفراد أسرهم.

ويضيف اكتشاف بقايا عظمية قديمة تحمل خصائص مرتبطة بالسنسنة المشقوقة بُعداً جديداً لهذه الجهود البحثية. فمن خلال دراسة وجود الحالة في قطر منذ عصور ما قبل التاريخ، يسعى الباحثون إلى تعزيز فهمهم لمدى انتشارها بين المجموعات السكانية المختلفة وعلى امتداد الفترات التاريخية.

وقال الدكتور سانتياغو فالاسياني، رئيس قسم جراحة المسالك البولية في سدرة للطب، وعضو الفريق الطبي في عيادة السنسنة المشقوقة متعددة التخصصات: “إن دراسة التاريخ القديم للسنسنة المشقوقة في قطر تضيف بُعداً مهماً إلى جهودنا الحالية في رعاية الأطفال المصابين بهذه الحالة وأسرهم. كما أن اكتشاف أدلة تشير إلى وجود هذه الحالة بين أفراد المجتمعات القديمة يبرز أهمية مواصلة الأبحاث لفهم خصائصها البيولوجية، وعوامل الخطر المحتملة المرتبطة بها، وأنماط ظهورها عبر الأجيال”.

وأضاف: “من خلال الربط بين الاكتشافات الأثرية والأبحاث السريرية والجينية الجارية، تتاح لنا فرصة لتعزيز الوعي بالسنسنة المشقوقة، والإسهام في فهم أعمق لهذه الحالة، بما يشمل سبل الوقاية منها وأساليب الرعاية طويلة الأمد للمصابين بها”.

ووفقاً للفريق البحثي، تشير النتائج الأولية إلى أن نسبة البقايا العظمية التي تحمل أدلة على الإصابة بالسنسنة المشقوقة في المواقع الأثرية التي شملتها الدراسة في قطر تبدو أعلى من النسب الواردة في بعض الدراسات الأثرية التي أُجريت في أوروبا. وعلى الرغم من الأهمية العلمية المحتملة لهذه الملاحظات، فإنها لا تزال تتطلب المزيد من التحليل لفهم الاختلافات بين المجموعات السكانية التي تناولتها الدراسات، والعوامل التي ربما أسهمت في ظهور هذه الفوارق.

تسخير الابتكار العلمي لفهم التراث الثقافي لدولة قطر

لا تقتصر أهداف المشروع البحثي على دراسة السنسنة المشقوقة، بل تمتد إلى استكشاف أصول السكان الذين عاشوا في قطر خلال عصور ما قبل التاريخ، وأنماط هجرتهم وعاداتهم الغذائية، وكيفية تكيّفهم مع الظروف البيئية المحيطة بهم.

وقال الدكتور فرحان سكال، رئيس قسم التنقيب وإدارة المواقع الأثرية في متاحف قطر: “بصفتنا علماء آثار، لا تقتصر مهمتنا على دراسة العظام أو القطع الأثرية، بل نسعى إلى فهم حياة أناس حقيقيين عاشوا على هذه الأرض”.

وأضاف: “فالأفراد الذين تعود إليهم هذه البقايا لم يكونوا مجرد عينات أثرية، بل كانوا جزءاً من أسر ومجتمعات عاشت وتنقلت وتكيّفت مع ظروف الحياة، وواجهت العديد من التحديات التي لا تزال مألوفة لنا حتى اليوم. ومن خلال توحيد خبرات متاحف قطر وسدرة للطب وشركائنا في إيطاليا وفرنسا وتركيا، أصبح بإمكاننا استكشاف قصص هؤلاء البشر من زوايا علمية متعددة، على نحو لا يمكن تحقيقه من خلال تخصص واحد فقط. ويسهم هذا التعاون في تعزيز الروابط بين المجتمعات التي تعيش في قطر اليوم وتلك التي استوطنت أرضها قبل آلاف السنين”.

ومن خلال دمج الاكتشافات الأثرية مع تقنيات التصوير الطبي المتقدمة والتحليلات الجزيئية، يسعى الباحثون إلى تكوين صورة أكثر شمولاً عن حياة هذه المجتمعات، وكيفية تكيّفها مع بيئتها، وتجاربها مع الصحة والأمراض.

ويعكس هذا التعاون التزام سدرة للطب بدعم الأبحاث متعددة التخصصات، ويبرز الدور الذي يمكن أن تؤديه الخبرات العلمية والطبية المتطورة داخل المؤسسات الصحية الحديثة في تحقيق اكتشافات تتجاوز نطاق الممارسة السريرية التقليدية. ومن خلال شراكته مع متاحف قطر والمؤسسات البحثية الدولية، يسهم سدرة للطب في مد جسور التعاون بين العلوم الطبية وعلم الآثار، وإنتاج معارف جديدة حول تاريخ قطر، إلى جانب دعم أبحاث قد تسهم نتائجها في تطوير الرعاية الصحية للأجيال المقبلة. ويحظى المشروع بدعم من مجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار، ضمن المنحة البحثية رقم ARG01-0508-230094.