a photo of doctor abdallah alkaabi

كل منا لديه دورا يلعبه في تحسين الصحة النفسية في قطر

يحتفل الناس في جميع أنحاء العالم في العاشر من أكتوبر باليوم العالمي للصحة النفسية. وقد أطلقت قطر هذا العام حملة بقيادة المجلس الأعلى للصحة لتشجيع الناس على العناية بصحتهم النفسية بالإضافة إلى العناية بصحتهم الجسدية. وطوال شهر أكتوبر الحالي يقوم مقدمو الخدمات الصحية في جميع أنحاء قطر بالمساعدة في نشر هذه الرسالة وتوعية الناس بشأن أهمية الصحة النفسية. ونحن ملتزمون في مركز السدرة للطب والبحوث بأن نكون جزءا من هذه الحملات التي أرى أن هناك حاجة كبيرة إليها، لأنه في كثير من الأحيان لا يتم مناقشة هذه الجانب الحيوي من صحة الإنسان ومن المحتمل أنه لا يلقى الرعاية العلاجية اللازمة بسبب وصمة العار المرتبطة بمشكلات الصحة النفسية.

أعلنت قطر في شهر ديسمبر ٢٠١٣ عن نهجها الشامل لتقديم الرعاية الصحية النفسية من خلال (الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية في قطر: تغيير الآراء وتغيير حياة الناس) التي تعد الأولى من نوعها في العالم العربي، وهو ما يفتح آفاقا جديدة في المنطقة. وقد تم وضع تلك الاستراتيجية بناء على توصيات منظمة الصحة العالمية حيث تحدد الاستراتيجية خطة مدتها خمسة سنوات لتصميم وبناء نظام واسع ومتكامل لتعزيز الصحة النفسية السليمة وتقديم خدمات عالية الجودة إلى شعب قطر. وقد برزت الحاجة إلى تلك الاستراتيجية بناء على البحوث التي أشارت إلى أن هناك شخص من بين كل خمسة أشخاص في قطر يعاني من مشكلة صحية نفسية في وقت من الأوقات. وفي الواقع هناك اعتقاد بأن هذا الرقم قد يكون أقل من الحجم الحقيقي للمشكلة بسبب عدم الإبلاغ عن مشكلات الصحة النفسية نتيجة لوصمة العار المرتبطة بتلك المشكلات.

ولأنني عضو في لجنة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية في قطر ونظرا لمشاركتي النشطة في صياغة مسودة الاستراتيجية، فإنه من المهم بالنسبة لي على وجه الخصوص أن أقدم الدعم للمبادرات والحملات التي ستضمن أن ينعم شعبنا بالصحة في المستقبل. وقد كان وضع هذه الاستراتيجية خطوة كبيرة للأمام، والآن فإن الأمر متروك لنا جميعاً لكي نجعل من تلك الاستراتيجية واقعا ملموسا من خلال العمل معا وإعادة النظر في مواقفنا تجاه الصحة النفسية.

وتجدر الإشارة إلى أن نموذج تقديم الرعاية الصحية النفسية يؤثر بصورة كبيرة على البيئة التي يتم من خلالها تقديم هذه الرعاية. فغالبا ما يتم تقديم العلاج في الوقت الحالي في قطر في المستشفى بدلا من تقديمه من خلال المشاركة المجتمعية. فالنظام المتوازن للرعاية يتضمن أطياف مختلفة تشمل الرعاية الصحية الأولية وخدمات الصحة النفسية المجتمعية ورعاية المرضى داخل المستشفى. وتطمح استراتيجية الصحة النفسية في قطر إلى زيادة قدرة المجتمع على تحقيق الصحة النفسية السليمة والتعامل بشكل فعال مع المشكلات الصحية النفسية بنوع من التفهم والمكاشفة.

ويمكن لخدمات الصحة النفسية المجتمعية أن تكون في شكل خدمات مؤسسية (فرق صحة نفسية مجتمعية، ومراكز تقديم الدعم والعلاج لمرضى الطب النفسي من أجل إعادة تأهيلهم، وخدمات التعافي وإعادة التأهيل من خلال الإقامة الداخلية والعيادات الخارجية)، أو تكون في شكل خدمات أهلية حيث يتم طلب خدمات المساعدة الذاتية ومشورة رجال الدين.

نحن شعب له تقاليد راسخة تركز على مفهوم الأسرة والمجتمع المتماسك. وبالتالي فإننا نلجأ إلى أفراد أسرتنا عندما نحتاج إلى المساعدة. ولذلك فإن أفضل مكان نبدأ فيه في إعادة التفكير في النهج الذي نتبعه في الصحة النفسية هو من داخل الأسرة ومن داخل مجتمعنا. فالمشكلات النفسية مثل القلق والاكتئاب هي مشكلات شائعة ولكن هل تعرف كيف تكتشف أعراضها إذا ظهرت على أحد أفراد أسرتك؟ ومن خلال تثقيف وتوعية أنفسنا بشأن الأمراض النفسية والأعراض التي نبحث عنها، يمكننا أن نساعد في العناية بصحة أحبائنا.

إن تحويل الاهتمام من الرعاية التي تقدمها المستشفى إلى الخدمات القائمة على مشاركة المجتمع سيساعد على معالجة بعض التحديات ووصمة العار التي تشعر بها العديد من الأسر تجاه طلب المساعدة من خلال مؤسسة صحية.

ومن خلال مراقبة الصحة النفسية لأقربائنا ومناقشة الصحة النفسية مع أفراد الأسرة يمكننا جميعا أن نأخذ خطوة نحو التأكد من أن هؤلاء الذين يعانون من مشكلات صحية نفسية يتلقون الدعم والعلاج الذي يحتاجونه في الوقت المناسب. وعلاوة على ذلك، يمكننا مشاركتهم رحلة علاجهم وتعافيهم والاحتفال معهم بشفائهم.

وهناك فائدة أخرى من جعل الصحة النفسية مسألة عائلية وقضية مجتمعية وهي أن الأطفال سيتعلمون وهم في سن صغيرة أنه من المقبول اجتماعيا الحديث عن الصحة النفسية وأن وصمة العار التي تحيط بهذا الموضوع سوف تتلاشى تدريجيا مع الأجيال القادمة. وكما هو الحال مع الراشدين، يمكن أن يعاني الأطفال والشباب من مشكلات الصحة النفسية، ومن المهم بالنسبة لهم أن يتم تشخيص حالاتهم وتلقيهم للعلاج في الوقت المناسب.

وسوف يقوم مركز السدرة أيضا بالتركيز على خدمات الصحة النفسية للأطفال. وسيركز جزء مهم من العمل الذي نقوم به على رفع مستوى الوعي بقضايا الصحة النفسية للأطفال وتقديم العلاج المناسب في الوقت المناسب. ولكن هذا لا يمكن تحقيقه بدون ضمان صحة الأمهات الشابات. فعلى الرغم من أن ميلاد طفل جديد هو أحد أكثر الأحداث بهجة في حياة أي أسرة، إلا أنه يمكن أن يشوبه ما يعرف باكتئاب ما بعد الولادة بالنسبة لبعض الأمهات.

اكتئاب ما بعد الولادة- الذي يتم الإشارة إليه أحيانا “باكتئاب النفاس”- هو حالة شائعة جدا يمكنها أن تؤثر على الأمهات بعد الولادة. وإذا تُركت هذه الحالة بلا علاج، فقد تؤثر على قدرة الأمهات على رعاية أطفالهن ويمكن أن تؤدي أيضا إلى مشكلات نفسية أخرى خطيرة.

نادرا ما يتم الحديث عن اكتئاب ما بعد الولادة في منطقتنا العربية لدرجة أنه من الصعب ايجاد احصائيات شاملة حول هذا الموضوع. ويهدف مركز السدرة إلى تغيير هذا الواقع، ولهذا السبب استضاف مركز السدرة العام الماضي ندوة من سلسلة ندوات مركز السدرة من أجل مناقشة تشخيص وعلاج اكتئاب ما بعد الولادة وتقديم الخدمات للنساء اللائي يعانين من هذه المشكلة في قطر. وكانت هذه الندوة واحدة من المبادرات الأولى لمركز السدرة التي تم فيها تبادل الخبرات بين خبراء مركز السدرة العالميين وزملائهم العاملين في المجال الطبي في قطر.

ولكون السدرة مستشفى ومركزا بحثيا يركز على صحة النساء والأطفال، ستكون تلبية احتياجات الرعاية الصحية النفسية للنساء الحوامل والأطفال جزءا من الخدمة الشاملة للرعاية التي يقدمها فريق مركز السدرة المكون من استشاريين متخصصين من ذوي الخبرات الرفيعة وممرضات وموظفي الخدمات المعاونة. وعلى مدى السنوات القادمة سيعمل مركز السدرة مع مقدمي الرعاية الصحية في المرافق الصحية الأخرى ومع شعب قطر من أجل علاج الأمراض النفسية وتوعية السكان بشأن الحفاظ على صحتهم النفسية بشكل جيد ومعالجة وصمة العار المرتبطة بالأمراض النفسية.

كما أنه من المرجح حدوث تحول في نهج التعامل مع الرعاية الصحية النفسية في قطر. وفي نفس الوقت، فإنني أتمنى أن تتغير أيضا مواقف الناس تجاه الأمراض النفسية لخلق بيئة يمكن فيها للجميع الحصول على الرعاية التي يحتاجونها بدون خوف أو قلق من وصمة العار. ولكن ذلك سيحدث فقط عندما يقوم كل واحد منا بدوره.

المراجع
http://www.natureasia.com/en/nmiddleeast/article/10.1038/nmiddleeast.2013.240

تم نشر المقال المشار إليه أعلاه في صحيفة الوطن بتاريخ ٣١ أكتوبر ٢٠١٤

START TYPING AND PRESS ENTER TO SEARCH